السيد كمال الحيدري

141

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

فالذهن في الوقت الذي يتّجه إلى أحد طرفي القضية ( النفي أو الإثبات ) يتّجه أيضاً إلى الطرف الآخر ولا يختار أيّاً من الطرفين . ومن الواضح في أنّه ضوء كلا البيانين تتهدّم أسس جميع القوانين العلمية لأنّ القانون العلمي يعني اختيار واتجاه الذهن نحو أحد طرفي القضية ، فإذا لم يكن هناك اختيار في البين ( شكّ ) أو كان هناك اتجاه إلى كلا الطرفين فسوف لا يكون للقانون العلمي معنىً في الذهن . مثلًا يتبنّى العقل وفق قوانين الهندسة الأقليدية أن زوايا المثلّث تساوي قائمتين ، ويعتبر هذه القاعدة قانوناً علمياً . وهذه القضية الموجبة تبنّاها العقل بحكم القانون الرياضي وقانون امتناع التناقض ، وصدّ عن نقيضها أي مجموع زوايا المثلّث لا يساوي قائمتين . فهنا إذا افترضنا تجريد الفكر البشري من قانون امتناع التناقض فسوف لا يحصل حتماً جزم واتّجاه لدى الذهن وفق البيان الأول ، ومن ثم لا تبقى القاعدة المتقدّمة قانوناً علمياً لدى العقل ، أو يتّجه العقل إلى النقيض في نفس الوقت الذي يجزم فيه بشيء ويتّجه إليه وفق البيان الثاني ، فتكون القاعدة المتقدّمة ونقيضها لدى العقل سيّان ، فكما يمكن اعتبار القاعدة قانوناً علميّاً يمكن أيضاً اعتبار نقيضها علميّاً . وعلى أيّ حال سوف تخرج القاعدة عن دائرة القانون العلمي الذي يعادل اختيار الذهن لطرف واحد » « 1 » . المظنونات مأخوذة من الظنّ ، والظنّ في اللغة أعمّ من اصطلاح المنطقيين هنا ؛ فإن المفهوم منه لغةً - حسب تتبّع موارد استعماله - هو الاعتقاد في

--> ( 1 ) أصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، ج 1 ، ص 453 .